حماية الكنائس في الإسلام لوزارة الأوقاف جمهورية مصر العربية

الناقل: أحمد منتهى أ.م. من ماس إروان مسدوقي

فى الوقت الذى فاض فيه الكيل من مسلسل حرق أو هدم الكنائس أو منع بنائها أو ترميمها أو حرق بيوت الأقباط كعقاب جماعى عن وقائع فردية هنا وهناك يأتى أهتمام مؤسسات الدولة المختلفة الدينية والمدنية بترسيخ قيم المواطنة وتصحيح المفاهيم الخاطئة والتعريف بسماحة الدين الإسلامى ، والوقوف أمام أصحاب الفكر المتطرف الذين حلوا لأنفسهم أن يفعلوا ما يشاءون باسم الدين ، فكان بكورة هذا الاهتمام إصدار كتاب بعنوان “حماية الكنائس فى الاسلام” الذى يبرز حق حرية العبادة اطلاقا من قول الله تعالى “لا إكراه فى الدين ..” الذى صدر حديثا عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف ..

شارك فى تقديم الكتاب الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف وفضيلة مفتى الجمهورية الدكتور شوقى علام ، وشارك فى أعداده مجموعة من اساتذة الفقه والشريعة الإسلامية وقد ترجم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الكتاب الى تسع لغات أجنبية مختلفة ، وقد تضمن الكتاب عدد من الأبحاث التى تؤكد بالأدلة الشرعية على حرمة المساس بالكنائس بل وجوب حمايها ، وقد تم أهداء الطبعة الأولى من الكتاب الى الرئيس عبد الفتاح السيسى تقديرا لجهوده العالمية فى مواجهة التطرف والمطالبة بتجديد الخطاب الدينى ..

حماية الكنائس فى الإسلام .. كتاب يحارب الفكر المتطرف (2)

ترسيخ أسس المواطنة

فى البداية أكد الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف على أهمية إصدار هذا الكتاب ترسيخا لأسس المواطنة العصرية الكاملة دون تمييز وتأصيلا لفقه العيش المشترك بين البشر دون تفرقة على أساس الدين أو اللون أو العرق أو الجنس أو اللغة .. وخروجا من ضيق الأفق الفكرى الى رحابة الإسلام الواسعة واحترامه للآخر والتأكيد للعالم كله على سماحة الإسلام وأن ما يصيبه من محاولات تشويه لا يمت لسماحته بصلة ، مؤكدا أن الكتاب يأتى فى ضوء سلسلة وموسوعة المستجدات وتصحيح المفاهيم الخاطئة التى يصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

فيما أكد الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية على أن الشريعة الإسلامية تحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته بل أن مقاصدها جميعها تدور حول الحفاظ على الإنسان من غير تمييز بين أفراده وحقه فى التعبد بما يقتنع به من المذاهب والأديان مع كامل مسئوليته أمام الله وحده عن اختياراته ، كما أكد مفتى الجمهورية على أن حماية أهل الأديان السماوية ودور عبادتهم من مقاصد العمران الإسلامى حيث قال الله تعالى : “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا” .

ثلاث حقائق

يقدم الدكتور محمد سالم أبو عاصى الأستاذ بجامعة الأزهر ثلاث حقائق تمثل تأصيلا لحماية الكنائس الحقيقة الأولى أن استغلال الدين لأهداف سياسية يعود بالضرر على المجتمع كله ، الحقيقة الثانية أن مبادىء الشريعة الإسلامية تقضى بحرية الإنسان فى اعتناق الشريعة التى يرضاها كقول الله تعالى “لا إكراه فى الدين” وقوله أيضا “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين” ، الحقيقة الثالثة أن القرآن الكريم قرر قاعدة التعامل مع أهل الكتاب على أساس البر والعدل، فقال الله تعال :”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين”

ويحذر أبو عاصى من أعداء الوطن الذين يبثون عوامل الشقاق والوقيعة بين أبناء الوطن الواحد قائلا : عندما ينجح العدو فى تفكيك هذا النسيج الحضارى الجامع فى مجتمعاتنا العربية ، فلسوف ينحط الوبال من جراء ذلك على كل المسلمين والمسيحين على السواء” ، هناك أسباب ئؤدى الى تورط البعض ممن لا فقه لهم فى العدوان على الكنائس منها عدم النضج الفقهى بأحكام أهل الكتاب ، لاسيما لدى الجماعات المتطرفة ، عدم وجود منهج معرف وملزم بالطريقة المثلى للبحث عن أحكام أهل الكتاب، والمأمول فى الفتاوى والأحكام الشرعية التى تتعلق بالقضايا الكبرى للدولة أن تشكل فيما بينها آلية للتواصل والتنسيق تحقق التناغم والانسجام بدلا من الاحكام والفتاوى المتخالفة والمتناقضة التى تثير عوامل

المحافظة على الكنائس مطلب إسلامى

أكد الدكتور عبدالله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية أن المحافظة على الكنائس مطلب إسلامى يقوم على عدد من أهم مبادىء الإسلام هى المحافظة على الدين ، فجميع الشرائع السماوية بينها قاسما مشتركا يتمثل فى الضرورات الدينية والمبادىء الأخلاقية كما تتفق تلك الشرائع فى المحافظة على القيم الإنسانية كالوفاء والكرم والصدق والأمانة وغيرها من القيم التى تقتضى وجوب الحفاظ على تلك الشرائع وعدم المساس بها ، أيضا أن ذكر الله مطلوب من المسلم وغير المسلم ، حتى لو كان لا يؤمن بدين من الأديان ، ففى تفسير قوله تعالى “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا” يقول القرطبى أن الله تعالى ذكر دور عبادة أهل الديانات السابقة وهى صوامع الرهبان ، وبيع النصارى وصلوات اليهود ومساجد المسلمين ، لأن أصحاب تلك الدور أهل كتب سماوية سابقة وفيها ما يجب حمايته .

كما إن الله قد حرم إكراه أى إنسان على أن يؤمن به بعد أن أوجب الإيمان به عن حرية واختيار واقتناع قال الله تعالى “لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى” وهذا يعنى أن هدم دور عبادة غير المسلمين والتعرض لها يمثل تزيدا على الله وعلى دينه ويمثل إكراها فى الدين منهيا عنه ، أيضا أن حق غير المسلمين فى المحافظة على كنائسهم مبنى على وفاء المسلمين بما اتفقوا عليه وقد عبر الفقهاء عن ذلك المعنى بالأراضى التى فتحت صلحا ، أى بالاتفاق مع أهلها ومنها أرض مصر التى أبدت تعاطفا مع الفتح الإسلامى وتعاونت معه ، فإن دور العبادة الموجودة فى تلك البلاد لا يجوز المساس بها ويجب الحفاظ عليها ، ويحق لأهلها أن يقوموا بترميم ما انهدم منها وقد تطور الصلح الذى نص عليه الفقهاء وأصبح يتخذ شكل المبادىء الدستورية التى تقرر المساواة بين أبناء الوطن الواحد ، وتحظر التمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو غيرها من المظاهر التى يمكن أن تكون سببا للتمييز فى المجتمعات الإسلامية فإن هذا الاتفاق يجب الوفاء به إعمالا لقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود” .

أدلة شرعية

وفى مبحث أخر من الكتاب حدثنا الدكتور محمد عبد الستار الجبالى أستاذ الفقه جامعة الأزهر عن موقف الإسلام فى هذا الشأن ، لقد أباح الإسلام لغير المسلمين ممارسة شعائر دينهم فلا تهدم لهم بيعة أو كنيسة ولا يكسر لهم صليب ، بناء على القاعدة العامة فى حقوق أهل الذمة “أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا” هذه القواعد جرت على لسان الفقهاء ويؤيدها بعض الآثار من السلف منها كتاب عمر بن عبد العزيز : لا تهدم بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار صولحوا عليه

لقد أوصى الرسول الكريم خيرا بالأقباط وقال لأصحابه “إنكم ستفتحون مصر ، وهى أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما” وقد طبق عمرو بن العاص هذا التسامح عمليا عندما فتح مصر ، حيث أطلق الحرية الدينية للأقباط ورد البطريرك بنيامين الى كرسيه بعد تغيبه عنه ما يقرب من ثلاث عشرة سنة ، بل أنه أمر باستقباله بكل حفاوة عندما سار الى الإسكندرية .

وفى جزء أخر من الكتاب أكد الدكتور عبد الحليم منصور وكيل كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن الإسلام يحرم المساس بدور العبادة كلها من كنائس وأديرة ومساجد وغير ذلك ، فقد كفل الاسلام حرية الاعتقاد لكل البشر وعدم جواز إكراه أحد على الدخول فيه يدل على ذلك قول الله تعالى “لا إكراه فى الدين ” وقوله أيضا “افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” .

أيضا وجوب المحافظة على دور العبادة وحمايتها كما جاء فى كتاب عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس : “إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائسكم لا تسكن ولا تخرب ، إلا أن تحدثوا حدثا عاما ، وأشهد شهودا” مما يعنى لزوم تأمين وحماية الكنائس ، وما روى أن عمر بن عبد العزيز كتب الى عماله: “أن لا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار”

وجوب حماية الكنائس

وفى مبحث أخر من الكتاب أورد أيضا الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية جامعة القاهرة الأدلة الشرعية على وجوب حماية الكنائس وعدم المساس بها منها أنه لم يرد فى القرآن الكريم ، ولا السنة النبوية الشريفة أمر المسلمين بذلك ، وإنما ورد الأمر بصيانتها والمحافظة عليها ، أيضا تعامل النبى محمد مع أهل الكتاب فى المدينة وفى الجزيرة العربية وفى اليمن ، ولم يرو عنه أنه أمر بشىء من الهدم أو العدوان، بل نهى المسلمين الفاتحين عن هدم الصوامع أو قتل الرهبان أو النساء أو الأطفال فى أى معركة ، وقد سار الخلفاء الراشدون على سنة النبى محمد ، فلم يرو عن أحدهم أنه هدم كنيسة أو أمر بالعدوان عليها ، بل وجدناهم يحافظون عليها .

وقد أمر الإسلام أمرا واضحا بحسن رعاية أهل الكتاب ومعاملتهم وقرر أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وأن من أذى ذميا فالله ورسوله بريئان منه لأنه قد آذى الله ورسوله، مع لزوم معاملتهم بالعدل والإنصاف كقول الله تعالى “فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين”

الاعتداء للمعتدين فقط

ووفقا للقاعدة الشرعية فأنه لا يجوز الاعتداء إلا على المعتدين على المسلمين لرد العدوان “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين” وهو ما أكده أيضا الدكتور غنايم قائلا : لم يعتد أحد من الأخوة المسيحيين على مساجدنا بل دافعوا عنها وحافظوا عليها وساعدوا فى بنائها فكيف يعتدى المسلمون على كنائسهم ولا يحافظون عليها معاملة بالمثل وتحقيا للبر بهم .

الكنائس وأهلها جزء من الوطن

كما يؤكد الدكتور غنايم على أن الكنائس وأهلها جزء من الوطن وشعبه الواحد الذى تحققت وحدته وتوحدت ثقافته ومشاعره ، ويدعونا للحفاظ على وحدة الوطن مسلمين وغير مسلمين حتى نكون يدا واحدة على أعداء الوطن الخارجين عليه ولنعش جميعا فى أمن وسلام .

وفى هذا الشأن أكد الدكتور مجدى عاشور مستشار مفتى الجمهورية هذه الجزئية وهى أن التعدى على الكنائس والمسيحيين من أهل مصر وغيرها من البلاد يعد نقضا لعهد المواطنة حيث أنهم مواطنون لهم حق المواطنة وقد عاقدوا مع المسلمين وتعاهدوا على التعايش السلمى ، فالتعدى عليهم أو إيذاؤهم أو ترويعهم فيه نقض لهذا العقد وهو الأمر الذى نهت عنه النصوص بل أمرت بخلافه ، فعن أبى هريرة (رضى الله عنه) قال : قال رسول الله “لا يفتك المؤمن ، الإيمان قيد الفتك” ومعنى الحديث أن الإيمان يمنع عن الفتك حيث أن تهديد الكنائس وعدم حمايتها نوع من الفتك ، ولا يفوتنا قول النبى “الله الله فى قبط مصر ، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا فى سبيل الله” .

ويذكر أنه عندما دخل عمر بن الخطاب القدس أصدر أمره للمسلمين أن لا يسببوا أى أزعاج للمسيحيين أو لكنائسهم وحينما حان وقت الصلاة وهو فى أحدى الكنائس ، فقال لأسقفها : أريد الصلاة ، فقال له : صل موضعك ، فامتنع وصلى على الدرجة التى على باب الكنيسة منفردا ، فلما قضى صلاته قال للأسقف : “لو صليت داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدى ، وقالوا هنا صلى عمر” .

أن موقف الإسلام بما لا يدع مجالا للشك يدل على التسامح مع غير المسلمين وإعطائهم الحرية الدينية التى تستلزم السماح لهم بإقامة الشعائر وما تستلزمه من عدم جواز هدم كنائسهم ، أو التعدى عليها بأى نوع من أنواع التعدى ، وكل الأدلة الشرعية التى سردتها تلك النخبة العلمية المستنيرة تثبت أنه لا يجوز المساس بالكنائس بل يجب حمايتها.

sumber : wataninet.com

oleh :

Ahmad Muntaha AM

Awal Dhuhur, Surabaya

14 Januari 2017